حين يجلس مدير صندوق في أبوظبي أو الرياض ليضع توقعاته لأسعار النفط في النصف الثاني من 2025 وعام 2026 بأكمله، فإن أول سؤال ينبغي أن يطرحه ليس عن قرارات أوبك+، بل عن ما يجري في واشنطن وبكين. من هناك تُرسم الخطوط الكبرى. من هناك يُحدَّد ما إذا كانت برميلات الخليج ستُسعَّر فوق التسعين أو تحت السبعين. كل ما يصدر عن فيينا لاحقاً هو استجابة، لا مبادرة.

هذا المقال لا يعد بتوقعات مضمونة، ولا يدّعي أن الأسواق قابلة للضبط بمعادلة. لكنه يضع الإطار الذي يمكن من خلاله قراءة الإشارات المتضاربة التي تحكم النفط اليوم، ويقدم تقدير احتمالات مبنياً على ثلاثة مصادر لا على واحد: البيانات الرسمية لوكالة الطاقة الدولية وأوبك، إشارات التسعير في سوق العقود الآجلة، والبحث الهيكلي المستقل.


أولاً: السياق الكلي العالمي

منذ منتصف 2024، تعيش أسواق النفط حالة من التشتت النادرة: الأسس الجيوسياسية تشير إلى مخاطر عرض مرتفعة، لكن الأسعار تتراجع. برنت يتداول في نطاق 72 إلى 82 دولاراً للبرميل خلال الأشهر الستة الماضية، وهو نطاق يعكس تعادل قوى متضادة لا اتجاهاً واضحاً. لفهم هذا التشتت، لا بد من البدء حيث تبدأ كل قصة نفطية جدية: سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

خفّض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار مئة نقطة أساس بين سبتمبر وديسمبر 2024، وهو ما أعطى دفعة أولية للمعادن والسلع الخام. غير أن التضخم الأمريكي لم يتراجع بالسرعة المتوقعة في الربع الأول من 2025، ما جعل توقعات خفض الفائدة الإضافي تتراجع بحدة. وفق بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي لمارس 2025، يترقب السوق الآن خفضاً واحداً أو اثنين فقط خلال 2025، مقارنةً بأربعة كانت مسعّرة في مطلع العام. هذا التحول وحده كافٍ لإبقاء الدولار في موضع قوة نسبية، وكل نقطة قوة في الدولار تضغط على أسعار النفط المسعّرة به.

مؤشر الدولار DXY يتداول حول مستوى 104 نقاط في الوقت الراهن. تاريخياً، كل ارتفاع بنسبة 1% في الدولار يقابله انخفاض بنحو 0.5% في أسعار النفط على المدى القصير، وفق دراسة معهد أكسفورد لدراسات الطاقة الصادرة في أكتوبر 2023 بعنوان "Dollar Dominance and Oil Price Dynamics". هذه العلاقة ليست حتمية، لكنها تشكّل ضغطاً هيكلياً لا يمكن تجاهله.

على الجانب الصيني، يقف المشهد بين التفاؤل الحذر والقلق المكتوم. استيرادات الصين من النفط الخام بلغت 11.1 مليون برميل يومياً في فبراير 2025، وفق بيانات الجمارك الصينية، وهو رقم أعلى من المتوسط السنوي لعام 2024 البالغ 10.9 مليون برميل يومياً. لكن هذا الرقم يحتاج إلى سياق: جزء من هذه الاستيرادات ذهب إلى تجديد المخزون الاستراتيجي الذي تراجع خلال 2023، لا إلى طلب صناعي حقيقي. قطاع التصنيع الصيني يرسل إشارات متضاربة: مؤشر مديري المشتريات الصناعي PMI تجاوز مستوى الخمسين في مارس 2025 للشهر الثالث على التوالي، لكن قطاع العقارات لا يزال يعاني من ضغوط ديون هيكلية تثقل الطلب على الصلب والمواد الخام ذات الصلة بالبناء.

حكمي الشخصي هنا: الطلب الصيني في 2025 سيكون كافياً لمنع انهيار الأسعار، لكنه غير كافٍ لدفعها نحو مستويات تسعين دولاراً في غياب صدمة عرض حادة. الصين تشتري بانتقائية وتتحوط بذكاء، وهذا يختلف عن الشهية الصافية التي دفعت الأسعار في 2021 و2022.

أما الأسواق الناشئة الأخرى، فتشكّل عاملاً داعماً للطلب يُهمل في كثير من التحليلات. الهند تجاوزت استيراداتها من النفط الخام 5.2 مليون برميل يومياً في الربع الأول من 2025، وفق بيانات وزارة البترول الهندية. إندونيسيا والفلبين وفيتنام تسجّل نمواً في الطلب على الوقود يتراوح بين 4% و6% سنوياً. هذه الأسواق لا تملك القدرة الصينية على تحريك الأسعار بمفردها، لكنها تمثّل وسادة طلب حقيقية تحت السوق.


ثانياً: أسس العرض

أوبك+ أعلنت في اجتماع ديسمبر 2024 تمديد تخفيضات الإنتاج الطوعية البالغة 2.2 مليون برميل يومياً حتى نهاية الربع الأول من 2025، مع مراجعة ربع سنوية. القرار في ظاهره يدعم الأسعار. لكن بيانات تتبع الناقلات تروي قصة مختلفة جزئياً.

وفق تقديرات أرغوس ميديا لفبراير 2025، بلغ إجمالي إنتاج أوبك+ نحو 41.1 مليون برميل يومياً، وهو يتجاوز المستوى المستهدف بما يقارب 400 ألف برميل يومياً. العراق وكازاخستان يتصدران قائمة المخالفين المعتادين: العراق أنتج ما يزيد بنحو 200 ألف برميل يومياً عن حصته في يناير وفبراير 2025 وفق تقرير أوبك الشهري لمارس 2025، بينما تجاوزت كازاخستان حصتها بنحو 150 ألف برميل يومياً في الفترة ذاتها. هذا النمط ليس جديداً: الفجوة بين التعهدات والإنتاج الفعلي تتكرر منذ 2022، وكل مرة تُعلن فيها الدول تعهدات تعويضية تنفذها جزئياً فحسب.

💡 رؤية

على الجانب الصيني، يقف المشهد بين التفاؤل الحذر والقلق المكتوم.

السعودية، في المقابل، تحمل العبء الأكبر بجدية لافتة. إنتاجها استقر عند نحو 9 ملايين برميل يومياً في الأشهر الأخيرة، أي أقل بنحو مليون برميل يومياً عن طاقتها الإنتاجية المُعلنة البالغة 12 مليون برميل يومياً. هذا يعني أن الرياض تتحمل تكلفة حصة سوقية حقيقية لدعم الأسعار، وهو خيار مكلف اقتصادياً يعكس أولوية سعر البرميل على حساب الحجم في المرحلة الراهنة.

على جانب المنتجين خارج أوبك، تبرز الولايات المتحدة كعامل ضغط مستمر. إنتاج النفط الأمريكي من حوضَي بيرميان وإيغل فورد يقترب من 13.2 مليون برميل يومياً وفق تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لمارس 2025، وهو مستوى قياسي. غير أن نمو الإنتاج الأمريكي يتباطأ: عدد منصات الحفر النشطة انخفض إلى 479 منصة في مارس 2025 مقارنةً بـ 506 منصات في مارس 2024 وفق بيانات بيكر هيوز، وهو مؤشر على أن شركات النفط الصخري تتحوط في نفقاتها الرأسمالية في ظل أسعار تحوم حول 75 دولاراً. تكلفة التعادل لمعظم مشاريع بيرميان الجديدة تتراوح بين 55 و65 دولاراً للبرميل، ما يبقي الإنتاج مجدياً لكن دون توسع حاد.

الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لدى أوبك+، والمتمركزة بشكل شبه كامل في السعودية والإمارات، تُقدَّر بنحو 3 إلى 3.5 مليون برميل يومياً وفق وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري لفبراير 2025. هذا الرقم يمثّل شبكة أمان للسوق في حال أي صدمة عرض، لكنه في الوقت ذاته يُبقي سقف الأسعار محدوداً: كلما اقتربت الأسعار من تسعين دولاراً، ارتفع إغراء ضخ هذه الطاقة الاحتياطية في السوق.


ثالثاً: التدفقات المالية وإشارات السوق

منحنى العقود الآجلة لخام برنت يرسم صورة لافتة: السوق في حالة كونتانغو خفيف، حيث تُسعَّر العقود لأجل ديسمبر 2025 عند نحو 76 دولاراً مقارنةً بـ 74 دولاراً للتسليم الفوري. هذا يعني أن السوق لا يتوقع ارتفاعاً حاداً في الأسعار خلال العام الجاري، وهو حكم ضمني من المتداولين المحترفين يستحق الوقوف عنده.

التموضعات المضاربية في سوق العقود الآجلة تكشف تحفظاً واضحاً. بيانات لجنة تداول السلع الآجلة CFTC لمارس 2025 تظهر أن صافي المراكز الطويلة للمضاربين على خام WTI تراجع إلى أدنى مستوياته منذ أوائل 2023. هذا لا يعني بالضرورة توقع انخفاض حاد، لكنه يشير إلى غياب الحماس الشرائي الذي يسبق عادةً موجات الارتفاع الكبرى.

صناديق التحوط تراهن بحذر. وفق بيانات أرغوس ميديا لمارس 2025، تراجعت نسبة الصناديق المتحوطة صعوداً في خام برنت إلى 58% من إجمالي المراكز، مقارنةً بـ 71% في أكتوبر 2024. هذا التراجع يعكس قراءة مؤسسية للسوق تميل إلى الحذر لا إلى التفاؤل.


رابعاً: المخاطر الجيوسياسية

لا يجدر تجاهل الجيوسياسة، لكن لا يجدر المبالغة فيها. الصراع في الشرق الأوسط أضاف علاوة مخاطر لأسعار النفط منذ أكتوبر 2023، لكن هذه العلاوة تآكلت تدريجياً مع تكيّف السوق مع حالة عدم اليقين المزمنة. ما يبقى ذا أهمية هيكلية هو مضيق هرمز: نحو 21 مليون برميل يومياً تمر عبره وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، أي ما يعادل نحو 21% من إجمالي تجارة النفط البحرية العالمية. أي تعطل حقيقي في هذا المضيق سيكون صدمة عرض لا يعوضها أي احتياطي استراتيجي في وقت قصير. لكن احتمالية هذا السيناريو تبقى منخفضة نسبياً في السيناريو الأساسي.

العقوبات على روسيا وإيران تستمر في تشكيل مسارات التجارة لا في خفض الإمدادات الفعلية بشكل كبير. روسيا حوّلت صادراتها نحو الهند والصين، وإيران