المقالة

يشهد سوق النفط العالمي منعطفاً حاسماً لم يتكرر منذ أزمة كورونا الاقتصادية عام 2020. الطلب الصيني، الذي ظل محرك النمو الرئيسي للاستهلاك العالمي للنفط على مدى عقدين، يتراجع بوتيرة تثير قلقاً متزايداً لدى منتجي الطاقة في الخليج وفي كل مكان آخر. هذا التراجع ليس مجرد تقلب دوري عابر، بل يعكس تحولاً هيكلياً عميقاً في اقتصاد الصين نفسها وفي مسار الطاقة العالمية على نطاق أوسع.

السياق الكلي العالمي: الدولار والفائدة والطلب

قبل أن نغوص في أرقام الاستهلاك الصيني، يجب فهم الإطار الأوسع الذي يحيط بسوق النفط اليوم. سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ظلت صارمة طوال عام 2023 وأوائل 2024، حيث احتفظت بأسعار الفائدة في نطاق 5.25 إلى 5.5 في المئة. هذا المستوى المرتفع من أسعار الفائدة له تأثير مزدوج على أسواق الطاقة: أولاً، يرفع تكاليف التمويل للشركات والمستهلكين، مما يكبح الطلب على السلع بشكل عام؛ ثانياً، يعزز قيمة الدولار الأمريكي، وبما أن النفط يُسعّر بالدولار عالمياً، فإن ارتفاع الدولار يجعل النفط أكثر غلاءً للمشترين خارج منطقة الدولار.

في الوقت ذاته، انخفض سعر الدولار الاسمي بحوالي 8 في المئة من قمته في أكتوبر 2023 إلى مستويات أقل في الربع الثالث من 2024. لكن هذا الانخفاض لم يترجم إلى ارتفاع موازٍ في أسعار النفط. السبب يكمن في أن الانخفاض الدولاري جاء مصحوباً بإشارات متزايدة من بيانات الطلب العالمي بأن النمو يتباطأ. وكالة الطاقة الدولية خفّضت توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2024 إلى 1.2 مليون برميل يومياً، مقابل 1.7 مليون برميل يومياً في عام 2023. هذا التراجع الحاد في معدل النمو لم يكن متوقعاً بهذا الحجم قبل ستة أشهر.

الصين: من محرك النمو إلى مصدر القلق

الصين تستهلك حالياً حوالي 14.5 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يعادل تقريباً 15 في المئة من الاستهلاك العالمي. لكن الأهم من الرقم المطلق هو معدل النمو. منذ عام 2000، كانت الصين مسؤولة عن حوالي 60 في المئة من النمو الإجمالي في الطلب العالمي على النفط. هذا يعني أنه لكل برميل إضافي يُستهلك عالمياً، ستة أعشاره تقريباً يذهب إلى الصين.

في عام 2023، كان النمو الاقتصادي الصيني 5.2 في المئة، وهو أقل بكثير من المتوسط التاريخي البالغ 8 إلى 9 في المئة. في النصف الأول من 2024، تباطأ النمو إلى 5.0 في المئة. لكن الرقم الحقيقي المقلق يكمن في قطاع التصنيع والبناء والنقل. بيانات استهلاك الكهرباء الصينية، التي تُعتبر مؤشراً موثوقاً للنشاط الاقتصادي الفعلي، أظهرت نمواً بطيئاً في الربع الثاني والثالث من 2024. هذا يشير إلى أن النمو المُعلن قد يكون متضخماً بسبب الاستثمار الحكومي في مشاريع بنية تحتية قد لا تكون قابلة للاستمرار.

استهلاك النفط الصيني نما بمعدل 1.3 في المئة فقط في الربع الأول من 2024، مقابل 3.5 في المئة في الفترة المقابلة من عام 2023. هذا الانخفاض الحاد في معدل النمو لم يُصحح بعد في التوقعات الرسمية. منظمة أوبك، في تقريرها الشهري لأغسطس 2024، توقعت أن ينمو الطلب الصيني بمعدل 0.4 مليون برميل يومياً في عام 2024 و0.3 مليون برميل يومياً في عام 2025. لكن البيانات الفعلية تشير إلى أن هذه التوقعات قد تكون متفائلة بنسبة 20 إلى 30 في المئة.

الأسس الهيكلية للتراجع الصيني

التراجع في الطلب الصيني على النفط ليس مجرد انكماش دوري قصير الأجل. هناك عوامل هيكلية عميقة تعمل في الخلفية. أولاً، الصين تسير في طريق التحول نحو الطاقات المتجددة والكهربائية بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً. في عام 2023، أضافت الصين حوالي 192 جيجاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو رقم يعادل إجمالي الطاقة الكهربائية المُركبة في دول مثل اليابان أو ألمانيا. هذا التوسع السريع في الطاقات المتجددة يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء، مما يُقلل الطلب على النفط والغاز الطبيعي.

ثانياً، قطاع النقل الصيني يشهد تحولاً سريعاً نحو المركبات الكهربائية. في عام 2023، باعت الصين 6.9 مليون مركبة كهربائية وهجينة، أي حوالي 35 في المئة من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة. في النصف الأول من 2024، ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 40 في المئة. هذا التحول السريع يعني أن النمو في مبيعات السيارات لا يترجم إلى نمو متناسب في الطلب على البنزين والديزل.

💡 رؤية

هذا التحول في منحنى الأسعار يعكس تغيراً في التموضعات المالية.

ثالثاً، الاقتصاد الصيني يواجه تحديات هيكلية عميقة. الديون المحلية (الحكومية والشركات والأسر) وصلت إلى حوالي 280 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع جداً حتى بالمقارنة مع الاقتصادات المتقدمة. هذا المستوى العالي من الديون يحد من قدرة الحكومة على تحفيز الاقتصاد من خلال الإنفاق الحكومي الإضافي، وهي الاستراتيجية التي اعتمدت عليها الصين بشكل كبير منذ أزمة 2008.

تموضع العرض وردود الفعل من أوبك

الجانب الآخر من المعادلة هو العرض. منظمة أوبك وحلفاؤها (أوبك+) يسيطرون على حوالي 50 في المئة من الإنتاج العالمي للنفط الخام. في يونيو 2024، بدأت أوبك+ تنفيذ خطة تدريجية لزيادة الإنتاج بعد سنوات من التخفيضات. المملكة العربية السعودية، أكبر منتج في المنظمة، بدأت بتقليل مستوى تخفيضاتها من 2 مليون برميل يومياً إلى 1.5 مليون برميل يومياً بحلول نهاية عام 2024.

لكن هذا الرفع التدريجي للإنتاج يأتي في وقت يتراجع فيه الطلب العالمي. وكالة الطاقة الدولية قدّرت أن السوق سيكون في حالة فائض بحوالي 0.5 مليون برميل يومياً في الربع الرابع من 2024. هذا الفائض، وإن كان صغيراً نسبياً، يكفي لوضع ضغط هبوطي على الأسعار.

الشركات الوطنية الخليجية الكبرى، وخاصة أرامكو السعودية وأدنوك الإماراتية وقطر للطاقة، تواجه معضلة حقيقية. من جهة، تحتاج هذه الشركات إلى الحفاظ على حصصها السوقية في سياق تنافسي متزايد من النفط الصخري الأمريكي والنفط الثقيل الكندي. من جهة أخرى، تحتاج إلى الحفاظ على الأسعار عند مستويات تسمح لها بتمويل مشاريعها الرأسمالية الضخمة. أرامكو وحدها تخطط لاستثمارات رأسمالية تتجاوز 50 مليار دولار سنوياً حتى عام 2027.

منحنيات العقود الآجلة والتموضعات المالية

منحنى العقود الآجلة للنفط الخام برنت أظهر تغيراً ملحوظاً خلال الأشهر الستة الماضية. في أوائل 2024، كان المنحنى في حالة "كونتانغو" معتدل، حيث كانت الأسعار الآجلة أعلى من الأسعار الفورية. هذا يعكس توقعات بأن الأسعار ستستقر أو ترتفع قليلاً. لكن بحلول منتصف 2024، تحول المنحنى إلى حالة "باكواردايشن" أعمق، حيث أصبحت الأسعار الفورية أعلى من الأسعار الآجلة. هذا يعكس توقعات السوق بأن الأسعار قد تنخفض في المستقبل القريب.

هذا التحول في منحنى الأسعار يعكس تغيراً في التموضعات المالية. صناديق التحوط والمستثمرون المؤسسيون قللوا من تموضعاتهم الطويلة (الرهانات على ارتفاع الأسعار) بشكل ملحوظ. وفقاً لبيانات لجنة تجارة السلع الأمريكية (CFTC)، انخفضت التموضعات الطويلة الصافية للمستثمرين الكبار في العقود الآجلة لخام برنت من حوالي 600 ألف عقد في فبراير 2024 إلى حوالي 250 ألف عقد في سبتمبر 2024. هذا الانخفاض الكبير يعكس إعادة تقييم جوهرية للمخاطر والفرص في سوق النفط.

المخاطر الجيوسياسية: عند الأهمية الحقيقية

يُغري الحديث عن المخاطر الجيوسياسية كمحرك رئيسي لأسعار النفط. الصراع في الشرق الأوسط، التوترات بين إيران والدول الغربية، احتمالية تعطل الشحنات عبر مضيق هرمز. لكن يجب أن نكون حذرين هنا. في السنوات الأخيرة، كانت المخاطر الجيوسياسية موجودة بشكل مستمر، لكنها لم تترجم إلى اضطرابات حقيقية في الإنتاج على نطاق واسع.

الهجمات على ناقلات النفط في بحر العرب في 2023 و2024 أثارت قلقاً مؤقتاً، لكنها لم تؤدِ إلى انقطاع حقيقي في الإمدادات. إيران، تحت الضغط الاقتصادي الشديد، لا تزال تصدر حوالي 1.5 إلى 1.7 مليون برميل يومياً، وهو أقل بكثير من طاقتها الإنتاجية البالغة 3.5 مليون برميل يومياً، لكن هذا يعكس العقوبات الاقتصادية وليس القيود الإنتاجية الحقيقية. في الواقع، إذا فُرضت عقوبات جديدة على إيران أو حدثت أي اضطرابات حقيقية، فإن أوبك+ لديها طاقة احتياطية كافية لتعويض أي خسارة في الإنتاج. المملكة العربية السعودية وحدها لديها حوالي 2 مليون برميل يومياً من الطاقة الاحتياطية.

المخاطر الجيوسياسية الحقيقية التي تستحق الانتباه هي تلك التي قد تؤثر على الطلب على المدى الطويل، وليس فقط على العرض